| أعمال نرسلها للآخرة
كلما تقدم الإنسان في العمر كلما قلت عدد السنون
الباقية له في هذه الحياة وأقترب اليوم التي سيغادر هذه الحياة فيه, أي كلما أقترب
كل منا من آخرته, فآخرة كل منا تبدأ بموته, وانتقاله إلى الحياة البرزخية.
المنطقي هو أن يركز الإنسان على ما سينفعه
فيما سيأتي, ليس فيما هو تاركة, وإن كانت هذه سياسة مفضلة من بداية الحياة, وخاصة
أن لا أحد يدري متى تنتهي حياته, ولكن السن وابيضاض الشعر وغيره من علامات اقتراب
الموت, وعلينا عدم غض البصر عنها, وألا ننسى أنها تذكرة من الله عز وجل باقتراب
الأجل وترك الحياة الدنيا.
إن كل ما يرضى الله عز وجل من عمل أريد به
وجهه, هو من عمل الآخرة, لا نستغني عنه ولا نبيعه بأجر في الدنيا. لقد رفض موسى عليه السلام أن يتلقى أجر على سقاية
شاه الفتاتين من والدهما شعيب عليه السلام, لأنه لم يرد بيع عمل عملة بأجر لأخره,
بما سيتلقاه من أجر في الدنيا. ولم يرد
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسترد بيته بمكة الذي سلب منه بعد هجرته للمدينة
المنورة, حتى لا يخسر أجر تضحيته في الهجرة, وأمر المسلمين بذلك.
فتلك الأعمال التي نقدمها لأنفسنا, نبعثها إلى
الآخرة لتحفظ لنا ويحفظ لنا أجرها حتى نصل هناك فنقبض الأجر, يجب أن نحافظ عليها
بأقصى وسعنا. فلا نفسدها بقبض الأجر لما
لم نفعل نظير أجر, أو بإعلانها على الناس واكتساب السمعة بها, أو بالمن على من
أحسنا إليه ولو بالقليل وتذكير بالمعروف, فكلها تفسد العمل الصالح المخزون في الآخرة,
حتى أننا عندما نصل إليه نجدة قد فسد كالطعام الذي لم يحفظ جيدا, والمحافظة على
الأعمال التي أرسلناها ليس بالسهل أمام طلبات النفس وإغراءاتها.
وقت إرسال الصالح من الأعمال بدأ معنا جميعا,
وكلما زاد عمرنا, زاد احتياجنا له. يجب أن
لا تنسينا الأيام والأحداث الأعداد فراق هذا الحياة, ويجب أن لا تغرينا أنفسنا بإفساد
ما أرسلنا من عمل نرجوا عليه الجزاء من رب العباد. كلما ضاق الوقت الباقي لنا في
الدنيا, كان علينا السعي أكثر والمحافظة على ما عندنا أكثر. هذا هو المنطق وأعمال الفكر, وقد أمرنا الله
سبحانه وتعالي بالفكر والتدبر.
د أحمد سعفان |