في
شهر جمادي الأول من العام الثامن من الهجره , بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعثه الى أرض البلقاء من الشام وأمر عليهم زيد بن حارثه وقال لهم: "إن أصيب
زيد , فجعفر بن أبي طالب على الناس , فإن أصيب جعفر بعبد الله بن رواحه على
الناس".وكان من المسلمين من يرى أن
من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يعود.
كان
خروج المسلمين يوم الجمعه , وتخلف عنهم عبد الله بن رواحه ليصلى الجمعه مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم , فلما رأه صلى الله عليه
وسلم قال له: "ما منعك أن تغدوا مع أصحابك؟"قال: أردت أن أصلى معك الجمعه ثم ألحقهم.فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم".(الترمذي)
نزل
جيش المسلمين بمعان من أرض الأردن الأن , وبلغهم أن هرقل قيصر الروم قد بلغه أنباء
خروجهم فخرج بجيشه حتي نزل وأب من أرض البلقاء بالأردن في مائة الف مقاتل , وخرج
معه أيضا مائه الف من حلفائه من عرب الشام والغساسنه , فكان مجموع جيش الروم مأئتي
الف مقاتل.
أقام
المسلمون بمعان ليلتين ليفكروا فيما يفعلون والروم يفوقونهم حوالي سبعون
ضعفا.أقترح أحدهم أن يرسلوا رسولا الى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبروه بعدد عدوهم وينتظرون أمره أو أن يرسل اليهم
بالمدد.
تكلم
عبد الله بن رواحه في الناس فقال: "يا قوم , إن الذي تكرهون للذي خرجتم
تطلبون , الشهاده , وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة كثره , ما نقاتلهم إلا بهذا
الدين الذي أكرمنا الله به , فأنطلقوا فأنها أحد حسنيين , إما ظهور أو
شهاده".فقال الناس: "قد والله
صدق أبو رواحه".
كان
لعبد الله بن رواحه يتيما في حجره يربيه خرج معه الى مؤته وكان رديفه على
الراحله.وكان عبد الله بن رواحه يتغنى
بالشعر فل في الطريق يتكلم فيه عن الشهاده بالشام.قابل جيش المسلمين جيش الروم وحلفائهم من العرب
وأنحازوا الى قرية مؤته حيت التقي الثلاثة آلاف مسلم مع جيش الروم من مأئتي الف ,
نصفهم من حلفائهم من قبائل العرب والغساسنه.
تجهز
جيش المسلمون للقتال وذهب عبد الله بن رواحه يودع أمراء الجيش زيد بن الحارثه
وجعفر بن أبي طالب والأخرون , وكان عبد الله متيقنا من الشهاده فبكي , فسألوه عما
يبكيه , فقال رضي الله عنه: "أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا
مَّقْضِيًّا". فكيف بالصدور بعد الورود.
بدء
القتال بين المسلمين وجيش الروم الجرار ومن معهم من العرب , وحمل زيد بن ثابت
الرايه وهجم بها على العدو , وقاتلهم حتى قتل.
ثم
أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب وقاتل فلما التحم مع العدو نزل عن فرسه الشقراء
وعقرها , وقاتل حتي قتل رضي الله عنه.
ثم
أخذ اللواء عبد الله بن رواحه وقاتل بها حتى قتل.
وأخذ
الرايه رجل من المسلمين أسمه فارس بن أقرم فقال: يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل
منكم , قالوا: أنت.قال: ما أنا بفاعل ,
فأتفق الناس على خالد بن الوليد الذي أخذ الرايه ثم أنسحب من القتال ولم يستشهد من
المسلمين سوي أثنا عشر شهيدا.
رجع
خالد بن الوليد بجيش المسلمين الى المدينه وخرج المسلمون لأستقبالهم وخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم أيضا وقد حمل أبن جعفر بن أبي طالب معه على الدابه.
حث
المسلمون التراب على الجيش وقالوا: يا فرار , فررتم في سبيل الله.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ولكنهم الكرار إن شاء الله".
وقد
روى أنه بعد أن أخذ خالد بن الوليد الرايه , غير في وضع الجيش , فجعل الميسره مكان
الميمنه والميمنه مكان الميسره , والمقدمه مكان القلب والقلب مكان المقدمه وهكذا ,
فظن الروم أن المسلمين قد جائهم مدد , فأثر في معنوياتهم.وقد قاتلهم المسلمون قتالا شديدا ولما سنحت الفرصه
قام خالد بسحب قوات المسلمين حتى رجع بهم الى المدينه المنوره بدون خسائر فادحه ,
فمنع المسلمين من أن يهلكوا جميعا على أيدي الروم وحلفائهم وفي هلاكهم أضعاف لقوة
المسلمين وكان الثلاثة آلاف فيهم في هذا الوقت كثير , لذلك كان الأنسحاب المنظم
تصرف حكيم من كل الأوجه.ويجب أن نتذكر أن
الأنسحاب لم يتم متى رأى المسلمون التفوق العددي الساحق لجيش الروم وحلفائهم ولكن
تم بعد قتال وأستشهاد من أستشهد من قادة الجيش , أدرك خالد بن الوليد بحنكته الخطر
المحدق بهم وتصرف بما أملته مصلحه المسلمين جميعا من الحفاظ على هذه القوه
العسكريه من الهلاك , لتظل في حيازة المسلمين يقاتلون بها المشركين في يوم آخر ,
وهو ما حدث فيما بعد.
وبلرغم
من الفارق الكبير في العدد والعده بين جيش المسلمين والروم وحلفائهم وأن الله
سبحانه وتعالى لم يطلب من المسلمين أن يصمدوا أمام عدد أكبر منهم إلا الضعف وفي
حالة القوه عشرة أضعاف وليس سبعون ضعفا , فأن المسلمين كانوا يؤنبون الجيش على
الأنسحاب حتى أن بعضهم كان يستحي من الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمين لفتره بعد عودتهم.
الله
سبحانه وتعالى يخبر رسوله عما حدث في مؤته في وقتها:
روى
أبن أسحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما أصيب القوم في معركه موته
بالشام وكان بالمدينه المنوره قال: "أخذ
الرايه زيد بن حارثه فقاتل بها حتى قتل شهيدا , ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتي قتل
شهيدا"ثم صمت حتى تغيرت وجوه
الأنصار , وظنوا أنه كان في عبد الله بن رواحه بعض ما يكرهون.ثم قال: "ثم أخذها عبد الله بن رواحه
فقاتل بها حتى قتل شهيدا".ثم قال:
"لقد رفعوا الى الجنه فيما يرى النائم على سرر من ذهب , فرأيت في سريري عبد
الله بن رواحه أزورارا عن سريري صاحبيه , فقلت: "عم هذا؟" فقيل لي:
"مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى".
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيت جعفر وكانت زوجته جعفر
أسماء بنت عميس قد فرغت من العجين وتنظيف أبنائها.أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى جعفر بن
أبي طالب وتشممهم وزرفت عيناه الدموع , فقالت أسماء بنت عميس: "يا رسول الله
, بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟أبلغك عن جعفر
وأصحابه شيئ؟ قال: "نعم أصيبوا هذا
اليوم"فقامت أسماء بنت عميس تصرخ
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهله وقال لهم: "لا تغفلوا آل جعفر من
أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم".
لقد
كان جعفر بن أبي طالب محببا اللى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريبا جدا من نفسه
وهو أبن عمه أبي طالب الذي رباه وأحتضنه وعاش في بيته.وكان جعفر أيضا من أوائل المسلمين ومن أوائل
المهاجرين الى الحبشه أولا ثم الى المدينه وعاد من الهجره مع فتح خيبر وقد قام
أليه وأحتضنه وقبل بين عينيه وقال: "ما أدرى
أنا بأيهما أسر , بقدوم جعفر أم بفتح خيبر".
كما
أستشهد في نفس الموقعه زيد بن حارثه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان
عبدا له وأعتقه وتبناه وسمي زيد بن محمد , قبل أن ينهى الله سبحانه وتعالى
المسلمين عن تسمية أبنائهم بالتبنى بأسمائهم.فقد كان زيد بمثابة الأبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم , ونشأ في بيته
وتربي فيه سنوات عمره , ثم أنه عليه الصلاة والسلام خطبه لأبنه عمته السيده زينب
بنت جحش.فكان أستشهاد زيد بن حارثه أيضا
مصدر ألم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وزيد بن حارثه هو الصحابي الوحيد الذي
ذكر في القرآن الكريم بالأسم في قوله سبحانه وتعالى: "وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا
اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا
قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ
وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا".الأحزاب
37
ذلك
أنه كان أسمه زيد بن محمد , فلما رفع الله سبحانه وتعالى عنه أسم محمد بما فيه من
الشرف , عوضه بأن ذكر أسمه صراحة في القرآن الكريم , فجعل أسمه جزء من كتاب الله
الذي يتعبد الناس به.
وكتب
رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الى كسري بن هرمز ملك الفرس يدعوه فيها الى
الأسلام مع عبد الله بن حذافه فيه: "بسم الله
الرحمن الرحيم , من محمد عبد الله ورسوله الى كسرى عظيم فارس , سلام على من أتبع
الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده
ورسوله ’ فإنى أدعوك بدعاء الله , فإنى رسول الله الى الناس كافه لأنذر من كان حيا
ويحق القول على الكافرين , فإن تسلم تسلم وإن أبيت فإن أثم المجوس عليك".غضب كسرى لما بالخطاب ومزقه , فلما بلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مزق ملكه".
وكتب
كسرى الى باذام وهو نائبه على اليمن يأمره أن يبعث الى رسول الله صلى الله عليه
وسلم بمن يؤتون به اليه , فبعث باذام برجلين , بازويه وخرخره الى رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالمدينه.قابل الرجلان
رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبا منه أن يأتي معهما الى باذام ملك اليمن وإلا
فسوف يرسل كسرى الجيوش ليلكه ويهلك قومه.فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعودا
اليه في اليوم التالي.أخبر الله عز وجل
نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سلط على كسرى أبنه شيرويه فقتله وأخبره عن اليوم
والساعه.فدعاهما فأخبرهما بهذا فقالا له:
"إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من ذلك , فنكتب عنك هذا ونخبر الملك
باذام؟"قال: "نعم أخبراه ذلك
عنى وقولا له إن ديني وسلطانى سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي الى الخف والحافر , وقولا
له إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء".
وفي رواية أخرى أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: "إن ربي قد
قتل الليلة ربك".
قدم
رسولا باذام اليه وأخبراه بما قيل لهم فقال: "ما هذا بكلام ملك وإني لأرى
الرجل نبيا كما قال وليكونن ما قد قال".وقال بازويه لبذام: "ما كلمت أحد أهيب عندي منه".
وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا هلك
كسرى فلا كسرى بعده"
وكان
هذا آخر كسرى يحكم وزال ملكهم تماما على أيدي المسلمين في عصر أبي بكر الصديق ثم
عمر بن الخطاب.
رسالة
رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المقوقس بمصر:
كانت
مصر وقتها دوله قبطيه وكانت عاصمتها الأسكندريه ويحكمها وقتها جريج بن مينا ويلقب
بالمقوقس.
بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي حاطب بن بلتعه الى المقوقس بخطاب يدعوه
للأسلام , فقبل المقوقس الكتاب وأنزل حاطب بن بلتعه في منزله , ثم جمع بطارقته
ودعاه فسأله: "أخبرنى عن صاحبك أليس هو بنبي؟ قال: بل هو رسول الله. فما له
حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده الى غيرها؟ قال حاطب: عيسى بن
مريم , اليس تشهد أنه رسول الله؟ قال:بلى.قال: فما ماله حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم ألا
يهلكهم الله حيث رفعه الله الى السماء الدنيا؟فقال: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم.هذه هدايا أبعث بها معك الى محمد.وكانت الهدايا جاريتين ويقال ثلاثه أو أربعه وعبد خصي وبغل بسرجه
وكسوه.وكان من الجواري ماريا وهي أم
أبراهيم أبن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد أعطي جارية منهن لحسان بن ثابت الشاعر.
وبعث
رسولالله صلى الله عليه وسلم سليط بن
عمرو بن عبد ود الى هوذه أبن على صاحب اليمامه.
وبعث
بعلاء بن الحضرمي الي جيفر بن الجلندي وعمار بن الجلندي صاحبي عمان.
غزوة
زات السلاسل:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص
الى ذات السلاسل على مشارف الشام.لما وصل
عمرو بن العاص الى قوم أسمهم بنو بلى , وجد أعدادا كبيره , فخاف من كثرة عدوه وبعث
الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده.بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الأولين ومنهم أبوبكر وعمر
وأمر عليهم أبا عبيده بن الجراح.لما وصل
المدد الى عمرو بن العاص , أراد عمرو أن يكون الأمير على الفريقين فلما أختلفوا ,
قال له أبوعبيده بن الجراح: تعلم يا عمرو أن آخرما عهد الى رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن قال: "إذا قدمت على صاحبك
فتطاوعا"وإنك إن عصيتني
لأطيعنك.وسلم أبو عبيده الأماره لعمرو بن
العاص.
وكان
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرو أن أم أباه العاص بن وائل كانت من بنى بلى
فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم يتألفهم بذلك.لما وصل الي ماء يقال له سلاسل , بعث الى رسول
الله صلى الله عليه وسلم يستمده.
لم
يحدث قتال شديد فقد كان المسلمون كلما أقتربوا من جمع تفرق الجمع , ثم أنهم نزلوا
تراشقوال بالنبل وتقاتلوا ساعه ثم أنهزم المشركون وتفرقوا.وكان عمرو بن العاص يبعث بأصحاب الخيل ليبحثوا
عن الجموع فلا يجدوا أحدا , ويرجعوا بالأبل والأغنام للطعام.
ومما
حدث في هذه الغزوه أن عمرو بن العاص قد صلى بالناس وهو جنب ولم يزد على أن غسل
فرجه وتوضا و كان مع عمرو ماء ولكنها كانت ليله شديده البروده.لما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسأله عن صلاته فأخبره فقال: والذي بعثك بالحق إني لو أغتسلت لمت , لم أجد بردا قط
مثله , وقد قال تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما". ولم
يعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ذلك.
وظن
عمرو بن العاص أنه قد بعثه أميرا على أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب لمنزلة له
عنده , فذهب الى رسول الله يسأله: أي الناس أحب
أليك؟قال: "عائشه" قال: فمن
الرجال؟قال: "أبوها"قال: ثم من؟قال: "عمر بن الخطاب" فعدد رجالا.البخاري