عندما
عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش صلح الحديبيه في العام السادس من الهجره
, تضمن هذا الصلح أن هناك تحالف بين من يدخل في هذا الصلح مع أن من الجانبين ,
فدخلت قبيلة خزاعه مسلمها وكافرها في جانب المسلمين , ودخلت قبيلة بكر في جانب
قريش.
كان
هناك عداء وثأر قديمان بين قبيلتي بكر وخزاعه ,فأنتهزت قبيلة بكر الهدنه وهاجموا رجال من قبيلة خزاعه , وساعدهم على ذلك
بعض الرجال من قريش.وحاول بعض رجال خزاعه
أن يحتموا بالمسجد الحرام , ولكنهم قتلوا في الحرم حيث لا يقتل أنسان أو حيوان أو
طير.وقيل أن ممن ساعد بنوبكر على خزاعه
من قريش كانوا صفوان بن أميه وعكرمه بن أبي جهل وسهيل بن عمرو الذين أمدوهم
بالرجال والسلاح.
خرج من خزاعه رجل أسمه عمرو بن سالم ورجل أخر ,
فذهبا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينه , وذكروه بعهدهم معه وطلبوا
منه النصر , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد نصرت يا عمرو بن
سالم".
وخرج
من خزاعه أيضا رجل أسمه بديل بن وران مع بعض رجال خزاعه للمدينه يطلبون من رسول
الله صلى الله عليه وسلم النصر , وعادوا الى ديارهم.
وتوقع
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخشى أبو سفيان بن حرب المسلمين بعض نقض قريش
وحلفائها لعهد الحديبيه , وأن يأتيه طالبا تأكيد العهد ومد مدته فقال عليه الصلاة
والسلام: "فكأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد
العهد ويزيد في المده".
وحدث
ما أنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب أبو سفيان الى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليجدد العهد ويزيد في مدته. ولقي أبوسفيان بديل بن روان وأصحابه في
طريقه للمدينه وعرف أبو سفيان أين كان بديل ولماذا وإن لم يخبره بديل بذلك.
لما
وصل أبو سفيان بن حرب المدينه ذهب لأبنته أم حبيبه أم المؤمنين وزوجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم.لما ذهب ليجلس على
الفراش طوت الفراش عنه فلم تجلسه عليه فقال لها: "يا بنيه والله ما أدري
أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟" (أي أحسبتي أن الفراش خير من أن
أجلس عليه أم أني خير من أن أجلس على هذا الفراش)فقالت له أم حبيبه رضي الله عنها: "بل هو فراش رسول الله وأنت مشرك
نجس فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله".
ذهب
أبو سفيان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه , فلم يمدد عليه الصلاة والسلام
له المده.
ثم
ذهب الى أبو بكر ليكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال له أبو بكر: "ما
أنا بفاعل".
ثم
ذهب الى عمر بن الخطاب فكلمه , فقال له عمر: "أنا أشفع لكم عند رسول الله
! والله لو لم أجد غير الذر (التراب) لجاهدتكم به".
ثم
ذهب الى علي بن أبي طالب وعنده فاطمه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن
يشفع له عند رسول الله فرفض , حتى أنه سأل فاطمه أن تسأل أبنها الحسن أن يجير لها
من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "إنه أصغر من ذلك".
ثم
سأل على بن أبي طالب النصيحه , فقال له: "والله ما أعلم شيئا يغنى عنك
شيئا ولكنك سيد بنى كنانه فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك".فقام أبو سفيان فقال في الناس: "أيها
الناس" , إني أجرت بين الناس (أي يطلب من الناس الحمايه) ثم ركب بعيره
وأنطلق الى مكه وأخبر الناس بما حدث.
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين بالتجهز بالمسير الى مكه لفتحها
ودعا الله أن يعمي عن المسلمين عيون قريش فلا يعلموا بنيته.ولما كانت السنتان منذ معاهده الحديبيه وفرت
للمسلمين الأمان والحريه في السفر والدعوه الى دين الله , فأنتشر الأسلام بين
العرب ولم تعد هناك قبيله من قبائل العرب إلا وبها مسلمون.فلما بلغ المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يتجهز للمسير الى مكه , تجهز معه عشرة آلاف رجل وكان هذا عددا كبيرا وجيشا
جرارا بمقاييس العرب في ذلك الوقت.
حاطب
بن أبي بلتعه يحذر أهل مكه:
كتب
حاطب بن أبي بلتعه وهو من المهاجرين الذين شهدوا بدرا والذي حمل بخطاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم الى المقوقس , كتب خطابا لأهل مكه يخبرهم بنية رسول الله صلى
الله عليه وسلم السير اليهم وأعطاه لأمرأه من مكه لتوصله أليهم وأعطاها على ذلك
بعض المال.وضعت المرأه الخطاب في رأسها
بين شعرها وخرجت لمكه.
أخبر
الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما حدث , فأرسل وراء المرأه رجلين هما علي
بن أبي طالب والزبير بن العوام.لحق
الرجلان بالمرأه وفتشا رحلها فيم يجدا شيئا , فلما أخبراها أنهما سيفتشونها
ويفتشون ملابسها , أخرجت الخطاب , فأخذاه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم حاطبا وقال: "يا حاطب , ما حملك
على هذا؟ فقال: "يا رسول الله , إني والله لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت وما
بدلت ولكني كنت أمرؤ ليس لي في قومي أصل ولا عشيره , وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل
, فصانعتهم عليهم"فقال عمر بن
الخطاب: "يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه , فإن الرجل قد نافق" فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك يا عمر , لعل الله أطلع على أصحاب بدر
يوم بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.فأنزل الله تعالى: "
من مكارم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنه قبل عذر حاطب بن أبي
بلتعه وعفا عنه وعن ذلته.فحاطب بن أبي
بلتعه كان من أوائل المسلمين الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
وعانوا في سبيل دينهم , ثم أنه كان من الذين قاتلوا المشركين في أول معركه فاصله
في الأسلام وهي موقعة بدر وهي التي سماها الله عز وجل يوم الفرقان , وهو الذي بعث
به رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالته الى المقوقس ملك مصر , فحمل معه هدايا
المقوقس ومنها الأماء ومنهم ماريا أم أبراهيم حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم
التي أسلمت ومن معها في الطريق قبل أن يصلوا الى المدينه لما رأوا منه وتعلموا عن
حلاوة الأسلام.عفا عنه عليه الصلاة
والسلام لفضله وسبقه في الدين ولأن من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام أنه كان يغفر
ذلات الكرام.فلا يحق لمسلم منا الأن أن
يطعن في هذا الصحابي الجليل ودينه وقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلته.
بل إن الله سبحانه وتعالى أنزل في هذا قرآنا عاتب فيه حاطب وبين خطأه ولكنه لم
يلعنه أو ينعته بالكفر أو يعاقبه.فلنذكر
ونحفظ لهذا الصحابي الجليل فضله كما حفظ له خير الأنام صلى الله عليه وسلم فضله.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش المسلمين في العاشر من رمضان في
العام الثامن من الهجره.خرج في جيش من
عشرة آلاف مقاتل وهذا يبين كيف تضاعف عدد المسلمين سبعة مرات في سنتين من الأمن
والسلام تحرك فيها الناس للدعوه لله عز وجل.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقترع بين نساءه عندما يسافر فيمن يصحبه
منهن , وخرجت القرعه على السيده أم سلمه التي صحبته في السفر.
ولقي عليه الصلاة والسلام قرب مكه عمه العباس بن عبد المطلب , وقيل أنه
لقيه مهاجرا بأهله وعياله , وقيل أيضا أنه كان خارجا يتحسس أخبار المسلمين.
صام رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الطريق , ثم أنه أفطر عندما أقترب
الجيش من مكه وكان الناس بين صائم ومفطر.وروى مسلم أنه عندما أشتد على الناس الصوم دعا بقدح فيه ماء , فرفعه وشربه
أمام الناس , ثم أن بعض الناس ظل على صيامه , فلما أخبروا رسول الله صلى الله عليه
وسلم بذلك قال: "أولئك العصاه".
لقي المسلمون أبو سفيان بن الحارث أبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الطريق مع عبد الله بن أبي أميه أخ أم سلمه زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
يريدا أن يكلما نبي الله ويسلما على يديه.كلمت أم سلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيهما فقالت: "يا رسول الله , أنه أبن عمك وأبن عمتك وصهرك".فقال: "لا حاجة لي بهما , أما أبن عمي
فهتك عرضي , وأما أبن عمتي فهذا الذي قال لي بمكه ما قال".ثم أنه رق لهما عليه الصلاة والسلام وأذن لهما
فدخلا عليه وأسلما.
وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون الى منطقه أسمها مر الظهران
قرب مكه ولم يكن المشركون قد علموا عنه شيء. أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
المسلمون ليجمعوا الثمار من الأشجار , وكان منهم
عبد الله بن مسعود الذي كان يأتي بما يجمعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان
الناس يضحكون من دقة ساقيه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعجبون من
دقة ساقيه , فوالذي نفس بيده لهما أثقل في الميزان من أحد".
ذهب العباس بن عبد المطلب يقصد مكه يريدهم أن يخرجوا ليستأمن لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم , فلقي في الطريق أبو سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء , وكان هذا
بالليل وكان كل رجل في معسكر المسلمين يشعل نارا كما أمرهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم فكانت عشرة آلاف نار.فلما
أخبرهم العباس بن عبد المطلب أنه رسول الله صلىالله عليه وسلم بجيش المسلمين , أنزعج أبو سفيان أنزعاجا شديدا وخشي ما
سيحل به وبأهل مكه.
أردف العباس خلفه أبو سفيان على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهبوا
الى معسكر المسلمين.ساروا يمرون على
نيران المسلمين وحولها الرجال في الطريق الى خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
فمروا بعمر بن الخطاب الذي أراد أن يقتل أبو سفيان , ولكن العباس ركض بالبغله حتى
خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأستأمنه لأبي سفيان فأمنه , ودخل على رسول
الله صلى الله عليه وسلم فكلمه وأسلم على يديه.
قال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبي سفيان رجل يحب الفخر ,
فطلب منه أن يجعل له شيء يفتخر به بين الناس , فقال عليه الصلاة والسلام: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن , ومن أغلق عليه بابه
فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن".
فلما ذهب لينصرف , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: "ياعباس , أحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل , حتى يمر
به جنود الله يراها".
وقف العباس وأبا سفيان يشاهدان كتائب المسلمين تمر عليهم , كل قبيله تحمل
رايتها , وكان أبو سفيان يستهين بكل قبيله حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم
في كتيبة المهاجرين والأنصار , فقال أبو سفيان: إن هذه الكتيبه لا قبل لأحد بها.
وكان سعد بن عباده يحمل راية الأنصار وسمع يقول: "اليوم يوم الملحمه ,
اليوم تستحل الكعبه".شكا أبو سفيان
ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فأخذ الرايه من سعد بن عباده وأعطاها الزبير
بن العوام.
دخل المسلمون مكه من أربعة جوانب , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
أمر المسلمين ألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم وأن لا يكسروا بابا أو ينتهكوا حرمه. وحدث قتال قليل حيث قاتل بعض المشركين الكتيبه
التى قادها خالد بن الوليد وكانت من الفرسان , فقتل أثنان من فرسان المسلمين وقتل
المسلمون أربعة وعشرون.ولم يحدث قتال في
مكه وبعد أن دخل المسلمون مكه , دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكه على راحلته
وذقنه تلمس راحلته من الخشوع , وهو يردد سورة الفتح ولابسا عمامة سوداء.
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل مكه يكلمه , وهاب الرجل
الموقف ورسول الله صلى الله عليه وسلم فأرتعد جسده من الخوف , فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "هون عليك فإنما أنا أبن
أمرأه من مكه كانت تأكل القديد".