كان
الروم أقرب المشركين من أهل الكتاب الى المسلمين وكان الله سبحانه وتعالى قد أنزل
في سورة التوبه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم
مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ" التوبه 123
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث بجيش من 3000 رجل لقي جيش الروم في مؤته وكان
200000 رجل.وقد تم ذكر موقعة مؤته من
قبل.
أخبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أنه خارج لقتال الروم وكان قليلا ما يفعل ذلك
ويخبر الناس بوجهته وذلك لبعد المسافه وقوة العدو وكثرته , فدعا المسلمون في
المدينه وما حولها الى الأستعداد للخروج.كان الناس في هذا الوقت يخرجون للقتال على نفقتهم الخاصه , أي أن الرجل
يكون عنده دابته وسلاحه ودرعه وطعامه وشرابه وكل ما يحتاج كما يوفر لأسرته ما
تحتاجه من نفقه وطعام في غيابه.
كان
الناس قد مر بهم عام مضى شديد الحراره قليل المطر, وكانت الثمار قد بدأت في النضوج
على الأشجار.وكان هذا بعد فتح مكه وغزوة
حنين والطائف وأحس الكثير من المسلمين بالرغبه في الراحه في هذا العام بعد كل هذا
الجهاد.
بدأ
بعض ضعاف النفوس في الأعتذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشتى الأعذار , الذي
لم يجبر أحد على الجهاد وإن أحث الناس عليه.كان من هؤلاء الجد بن قيس الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ياجد هل لك هذا العام في جلاد بنى الأصفر؟"فقال له: "يا رسول الله , أوتأذن لي ولا
تفتنى , والله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى , وإنى أخشى إن
رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر".فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لقد أذنت
لك".فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه: "وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي
الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ".
التوبه 49
كان
المنافقين يجتمعون في بيت رجل أسمه سويلم اليهودي وكانوا يبحثون ويخططون ليثبطوا
عزيمة المسلمين عن الخروج للجهاد , ولما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
أرسل اليهم طلحه بن عبيد الله في بعض أصحابه ليحرقوا عليهم البيت.
وكان
المنافقون يقولون للناس الا ينفروا للجهاد في الحر وينتظروا حتى يتحسن الجو وحتى
يأكلوا من ثمارهم , فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم:
"فَرِحَ
الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن
يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لاَ
تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا
يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ".التوبه 81-82
وكان
من الناس من يريد الخروج للجهاد ولكنه لا يملك نفقة وليس عنده دابه تحمله وتحمل
طعامه وماءه ولا مال يتركه لزوجته وعياله ليعيشوا منه أثناء غيابه.كان هؤلاء يذهبون لرسول الله صلى الله عليه
وسلم يطلبون المساعده على الخروج للجهاد وعلى نفقات الجهاد , فيقول لهم أنه ليس
معه ما يعطيهم , أنصرفوا وهم حزينون أن لا يستطيعوا الخروج للجهاد لأنهم لا يجدون
ما ينفقون , فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: "ّلَيْسَ
عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ
مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ
إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا
يُنفِقُونَ".التوبه 91-92
وقد
سمى هذا الجيش جيش العسره للشده التى كان فيها الناس.وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس
يحثهم على الأنفاق لتجهيز الجيش , فقال عثمان بن عفان: "على مائة بعير
بأحلاسها وأقتابها"ثم قال:
"على مائة أخرى"ثم قال:
"على مائة أخرى"فجهز ثلاثمائة
بعير بكل ما يلزمها ويلزم راكبيها.فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضر عثمان
بعدها".
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم متى جاءه مال أو دابه . جهز بها من أرادوا الجهاد
ولم يستطيعوا النفقه.
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب في أهله وأهل
على , فأحزن ذلك عليا , فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتخلفنى مع
النساء والصبيان؟"فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "يا على أترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه
لا نبي بعدي".(مسلم والترمذي)
وتباطأ
أربعه من المسلمين عن الجيش هم كعب بن مالك ومراره بن ربيع وهلال بن أميه وأبو
خيثمه.
أما
أبو خيثمه فدخل في حائط (بستان) له ووجد زوجتان له في عريشلهما في حائطه وقد رشت كل واحده منهما عريشها
وبردت فيه الماء وهيأت فيه طعاما.فلما
دخل قام على باب العريش فنظر الى أمراتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمه في ظل بارد وطعام مهيأ وأمراة حسناس في
ماله مقيم , ما هذا بالنصف , والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله
صلى الله صلى الله عليه وسلم , فهيئا زادا , ففعلتا , ثم ركب دابته حتى لحق برسول
الله صلى الله عليه وسلم بتبوك.لما رآه
الناس قالوا: هذا راكب مقبل و فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمه فقالوا: هو والله أبو خيثمه.فلما أقبل سلم على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال له: "أولى لك يا أبا خيثمه".ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث فقال له خيرا ودعا له بخير.
وفي
الطريق تخلف بعض الرجال عن الجيش , فكلما أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
أحدهم قال: "دعوه إن يكن فيه خير فسيلحقه
الله بكم وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه".حتى تخلف أبا ذر الغفاري , فلما أخبروا رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: "دعوه إن يكن
فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه".وقد كان بعير أبو ذر قد أبطأ به فأخذ أبو زر
متاعه ووضعه على ظهره , وأخذ يتبع المسلمين ماشيا.فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان
, ورأه أحد المسلمين من بعيد قال: "يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على
الطريق.فقال: "كن أبا ذر"قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحم
الله أبا ذر , يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده".
تألف
الجيش من ثلاثين ألف رجل وكان أكبر جيش خرج فيه المسلمين في زمان رسول الله صلى
الله عليه وسلم. سمي هذا الجيش بجيش العسره لقله ما كان مع المسلمين في هذا الجيش
من الدواب والطعام.فكان البعير يحمل متاع
وسلاح وزاد وماء الرجلين والثلاثه وكان الرجال يسيرون وكان الزاد قليل والجو شديد
الحراره وكان كثير من الرجال حديثي العهد بالأسلام.حدثت في هذه الغزوه كثير من الأيات والمعجزات التي
أظهرت للمسلمين كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويثبت به المسلمين الذين كانوا
في طريقهم لقتال أقوي الأمبراطوريات في هذا الوقت.
وقد
روى عمر بن الخطاب أنه لما أشتد الحر وقل الماء ,
قال أبو بكر الصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله , إن الله قد
عودك في الدعاء خيرا , فأدعوا الله لنا.قال: أوتحب ذلك؟قال: نعم.فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه الى
السماء يدعوا ولم يرجعهما حتى أمطرت السماء , فملأؤا ما كان معهم من الأوعيه وشربت
الدواب , ثم ذهبوا ينظرون حولهم , فوجدوا أن المطر لم يتجاوز معسكر المسلمين.
وضلت
ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
فقال عليه الصلاة والسلام لعماره بن حزم الأنصارى: "إن رجلا قال: هذا محمد
يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته.وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله وقد دلنى
الله عليها وهي في الوادي قد حبستها شجره بزمامها.فلما رجع عماره الى رحله وجد رجلا يتحدث بما
أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما
قل طعام المسلمين , أستأذنوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم في ذبح الأبل ليأكلوا فأذن لهم.جاءه
عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله
إنك إن فعلت قل الظهر ولكن أدعهم بفضل أزوادهم وأدع فيها بالبركه لعل الله يجعل
فيها البركه.فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: نعم.ثم دعا ببساط فبسط , ثم
دعا الناس أن يأتوا بفضل أزوادهم , فجعل الرجل يأتي بكف من ذره أو تمر أو كسرة
خبز, فلم يجتمع غير شيء يسير , ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالبركه ثم
قال: خذا في أوعيتكم. فما تركوا في المعسكر وعاء حتى ملأوها وأكلوا حتى شبعوا
وتبقي الكثير , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن لا إله إلا الله
وأنى رسول الله , لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنه"مسلم.
مروره
بمساكن ثمود:
مر
رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيش المسلمين بمساكن ثمود قوم نبى الله صالح وهم في
طريقهم الى تبوك.أمر عليه الصلاة والسلام
المسلمين أن لا يشربوا من أبار مياهمم ولا يتوضؤن منها , ولما كان بعضهم قد عجن
عجينا من هى المياه , فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن لا يأكلون بل يعلفوه
للأبل.وقال عليه الصلاة والسلام: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذين إلا أن تكونوا باكين ,
فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم".
وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما مر بالحجر (مساكن ثمود قوم نبي الله
صالح): "لا تسألوا الآيات , فقد سألها قوم
صالح , فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج , فعتوا عن أمر ربهم
فعقروها.وكانت تشرب لبنهم يوما ويشربون
لبنها يوما , فعقروه , فأخذتهم الصيحه أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا
واحدا كان في حرم الله".قيل: من هو
يا رسول الله؟قال: "أبو رغال , فلما
خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه".
وفي
الطريق , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنه ستهب عليهم ريح شديده في
المساء , فلا يخرج أحد منهم وليربط كل رجل ناقته.فقامت في هذا المساء ريح شديده , فقام رجل فحملته الريح وألقته في جبل طيء
على مسافة بعيده؟
وجاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل من ملك أيله (العقبه الأن) وأهدي رسول الله صلى
الله عليه وسلم بغلة بيضاء , فكساهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا وأمنهم على
أنفسهم.
وقبل
أن يصل الناس الى تبوك , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: "أنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك , وأنكم لن
تأتوها حتى يضحى ضحى النهار , فمن جائها فلا يحس من مائها شيئا حتى أتي".سبق المسلمون منهم رجلان وأخذا منها
الماء.فما وصل رسول الله صلى الله عليه
وسلم وجد أن ليس بها إلا القليل من الماء سألهما: "هل مسستما من مائها
شيئا؟" قالا: نعم.فنهرهما رسول الله
صلى الله عليه وسلم , ثم غرفوا له من العين الشيء القليل , ثم غسل فيها عليه
الصلاة والسلام وجهه ويديه , ثم أعاد الماء فيها , فجرت العين بماء كثير فأستقي
الناس.ثم قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "يا معاذ , يوشك إن طالت بك الحياه أن ترى ما هاهنا قد ملء جنانا".مسلم
وخطب
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وهو مسندا ظهره الى نخله فقال: "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس , إن من خير الناس
رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت
, وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله , لا يرعوى الى شيء منه".(النسائي)
وفي
الطريق رقد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فلم يستيقظوا للفجر , فقال
عليه الصلاة والسلام لبلال: "ألم أقل لك يا بلال أكلأ لنا الفجر".فقال: يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي
ذهب بك".سار رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالمسلمين مسافه غير بعيده ثم صلى ثم سار بقية يومه وليلته حتى أصبح
بتبوك , فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أيها الناس أما بعد , فإن
أصدق الحديث كتاب الله , وأوثق العرى كلمة التقوى وخير السنن سنن محمد , وأشرف
الحديث ذكر الله , وأحسن القصص هذا القرآن , وخير الأمور عوازمها وشر الأمور
محدثاتها , وأحسن الهدي هدي الأنبياء , وأشرف الموت قتل الشهداء , وأعمى العمى
الضلالة بعد الهدى , وخير الأعمال ما نفع , وخير الهدي ما أتبع , وشر العمى عمى
القلب , واليد العليا خير من اليد السفلى , وما قل وكفي خير مما كثر وألهى , وشر
المعذره حين يحضر الموت , وشر الندامه يوم القيامه , ومن الناس من لا يأتى الجمعه
إلا دبرا , ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا , ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب
, وخير الغنى غنى النفس , وخير الزاد التقوى , ورأس الحكمه مخافة الله عز وجل,
وخير ما وقر في القلوب اليقين , والأرتياب من الكفر , والنياحه من عمل الجاهليه , والغلول
من حثاء جهنم , والشعر من أبليس , والخمر جماع الأثم".